الأربعاء , 17 أكتوبر 2018
أخبار عاجلة
ما هي تنازلات ماكرون الاستراتيجية أمام ترامب؟
ما هي تنازلات ماكرون الاستراتيجية أمام ترامب؟

ما هي تنازلات ماكرون الاستراتيجية أمام ترامب؟

منظمة الحقيقة- زيارة الصداقة الحميمة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أميركا وإدارة ترامب، ذهبت به إلى التعويل على إقناع ترامب بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وعدم الانسحاب من سوريا. لكن اللقاءات العاطفية بين الشاب الطموح وأبيه الروحي، تتكشف عن أن ترامب يستخفُّ بأوروبا وبمقترحاتها وأن خلافات القراءة بين الخبير المصرفي والتاجر الثري تنتهي باستخدام خبرة الربح المالي لمصلحة تعظيم أرباح التاجر.

نقلا عن الميادين، لعلّ الامتياز الأهم في رصيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو حرصه الشديد على اصطناع الإبهار بصورة إدعاء المعرفة الشاملة بالثقافة والعلم والتاريخ والحضارة. وربما كسب المعركة الرئاسية في فرنسا بسبب هذا الإبهار لفئة واسعة من الفرنسيين الذين يتوقون بالعودة إلى شخصية ملوك النبلاء بعد أن أصابهم الإحباط بهشاشة شخصيات ساركوزي وهولاند والوزراء الموظفين.
استقبالات ماكرون المهمة يجريها في متحف اللوفر وقصر فرساي التاريخي المهيب. ويقيم لمحمد بن سلمان مأدبة وسط اللوحات الفنية التي تتلمّظ ربما من غربتها عن الضيف ومضيفه. وعلى هذا المنوال حاول أن يبهر دونالد ترامب في استقباله الفرنسي وأثناء زيارته في أميركا، حين حاول التذكير بفضائل الثورة الفرنسية على أميركا. لكن ثقافة المصرفي الباهر في خدمة أعمال أثرياء التجارة، ترى الثورة الفرنسية من نافذة نبلاء لويس السادس عشر كالماركيز دولافاييت وغيره الذين ذهبوا لمساعدة جورج واشنطن “للاستقلال عن الانجليز” ومساعدته أيضاً في استكمال إبادة ما بقي من السكان الأصليين.
وليست هذه “الثورة الأميركية” العام 1783 بين فضائل الثورة الفرنسية في المساواة والحرية والتآخي ولا بين فضائل ثورة سيمون بوليفار التي اندلعت في أميركا اللاتينية بالتوقيت نفسه. ترامب على وجه الخصوص ليس منبهراً بكل هذا الإرث الانساني التاريخي في أوروبا وفي العالم. ولعله لا يعرف أكثر من فضائل “الحلم الأميركي” في عالم المال والتجارة والأعمال، فأغدق على ماكرون الشاب حنان شيخ العائلة كما يغدق على صهرة كوشنير وأولاده. فمنذ زمن بعيد لم يبقَ ذكر لأوروبا في الولايات المتحدة سوى أنها “القارة العجوز” أو “فلتذهب إلى الجحيم” حين حاولت التدخل قبل الانقلاب في أوكرانيا. وفي كل أحاديثه وتصريحاته لم يذكر ترامب عبارة أوروبا مرة واحدة.
ماكرون الذي يحاول أن يتقمّص شخصية الملك الفرنسي صاحب الرؤية الحاذقة في العلاقات الدولية فوق هيكل الخبير المصرفي، هو المنبهر بأميركا وبشخصية التاجر الثري ترامب. يقول أمام مضيفه أن الاتفاق النووي مع إيران “سيء وغير كافٍ” كما يقول ترامب. يدعو إلى اتفاق عمل شامل كما يسميه، يتضمّن النقاط الأربعة التي رفضتها إيران حين رفضت مجرد البحث بها ضمن الملف النووي وهي مسألة الصواريخ البالستية ومسألة السياسة الإقليمية التي وصفها ماكرون “بنشاطات إيران الإرهابية في سوريا والعراق واليمن ولبنان” وفي فلسطين حيث توصف السياسية الإيرانية المعادية لإسرائيل “بسياسة الحض على الكراهية والعنف” وزعزعة الاستقرار.

إيران مستعدة لكل الاحتمالات كما أكّد الرئيس الإيراني.

ماكرون يأمل بدعوى عدم الانسحاب من الاتفاق النووي، الذهاب إلى أبعد من ترامب فيما يسميه “الاتفاق الجديد” وهو التعويل على تجييش كل الدول الغربية فضلاً عن دول الخليج في استراتيجية موحدة للضغط بكل الوسائل أملاً بإعادة إيران إلى عصر الشاه.

وفي هذا السياق يعتقد ماكرون أن البقاء على الاتفاق مهم جداً “وجزء من قضية الأمن في المنطقة” بمعنى أن بقاء الاتفاق صوَرياً كما يراه ماكرون حافز لإيران في التخلي عن سياستها الخارجية ولا سيما في سوريا وفي فلسطين إذا توحّدت الولايات المتحدة وأوروبا في هذا السبيل.
ماكرون الذي بدأ العمل مع بريطانيا وألمانيا على ما يسمّى “وثيقة مكمّلة” حقّق ما وصف “بتفاهمات الثقوب الجوهرية” أثناء البحث بين ممثلين أوروبيين وأميركيين. ومن ضمن هذه التفاهمات فرض عقوبات جديدة على إيران بسبب الأنشطة الصاروخية والسياسة الإقليمية. وفي هذا السياق تقف إيطاليا عائقاً أمام تبنّي الاتحاد الأوروبي هذه العقوبات ما أدّى إلى استنفار إسرائيلي للتهويل على إيطاليا.
بخلاف هذه المراهنات التي يمكن أن تكون حافزاً لإيران بقلب الطاولة والعودة إلى التخصيب ومواجهة التهويل والتصعيد، ربما يستمر ترامب في طريقه المنفرد الذي يحسب فوائده على أميركا بحساب الصفقات المالية والتجارية. فهو يلوّح بالانسحاب من سوريا لابتزاز “الدول الغنية بشكل كبير” في دفع التكاليف. وهي التي “لا تبقى أكثر من أسبوع واحد من دون الحماية الأميركية” ستدفع كما قال ترامب. وفي الملف النووي لعلّ ترامب يهوّل بالانسحاب من الاتفاق لإرضاء إسرائيل، وربما لابتزاز الدول الغنية بشكل كبير أيضاً. ومهما كانت الأبعاد والتداعيات التي لا يتوقف عندها ترامب قبل حدوثها، من اللافت أن الالتزام بالاتفاق يصيبه بالدوار إذ يفرض إعادة 150 مليار دولار من الأموال المجمّدة لإيران.
إيران مستعدة لكل الاحتمالات كما أكّد الرئيس الإيراني. ومستعدّة للمواجهة بحسب تأكيد الحرس الثوري والقوى الأمنية. لكن البعض يتساءل في أميركا إذا كان رقم ماكرون سيبقى في دفتر البيت الأبيض بعد الزيارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *